مقال : اللعبة الأخيرة

ماجور فال / طالب في جامعة السوربون بفرنسا.


في قلب مدينة الأنوار باريس أعلن وفاة كرة القدم، كانت أسداء النعي تخرج من مسرح شاتليه. السماء مكفهرة والشمس تغرب أسرع من المعتاد لئلا تشهد هذه الجريمة فتجرُّ إلى المحكمة كمواطئة. والقمر بدوره يأبى أن يشاهد هذه الجناية البشعة فيختفي وراء الغُيوم ليُخفي همومه وغمومه.
الأوراق تتساقط لا لأننا في الصيف وإنما للتعبير عن هذه المصيبة الفجيعة وعن هذا الألم الوجيع والفعل الفظيع.
غير بعيد عن “مسرح شاتليه” ببضع كيلومترات نجد برج إيفيل بلونه الرمادي الذي يجسد الحزن، مائلا إلى الأرض لكي يسقط قبل حدوث هذه الجريمة، لقد باناه المهندس الفرنسي ألكسندر غوستاف إيفيل في ذكرى المئوية الأولى للثورة الفرنسية للإشادة بأمجاد فرنسا ومحاربتها ظلم النظام الاقطاعي، فلا يتخيل برج إيفل هو الآخر أن يشهد هذا الظلم يحدث أمامه ولو دقيقة.

باريس هي من تحتضن هذه الجنازة بأضوائها الساطعة التي بدأت تنطفأ شيئا فشيئا، لتحل مكانها الشموع فذُرفت الدموع ورُميت الورود على النعش.
رفض الكبار أن يحضروا في مراسيم الدفن، فلم نر زِيزُو ولا مالْدِيني ولا رونالدينيو ولا إنيستا فضلا عن دفيد بيكهام وشابي وميسي وكريستيانو.

الكرة الذهبية هي جائزة تمنح لأفضل لاعب كرة القدم في الموسم، اخترعها الفرنسيون في 1956 ليكون لهم نفوذ في هذه اللعبة، وقد حاز عليها لاعبون كثيرون بين الاستحقاق والإلحاق، بداية من الإنجليزي ستانلي ماثيوز مرورا بدي ستيفانو ويوهان كرويف وميشال بلاتيني وصولا إلى لوكا مودريتش وليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.

لقد تعرضت هذه الجائزة لانتقادات شديدة بمنح الجائزة للاعبين لا يستحقونها كما هو الحال في 2010 حين فاز بها ميسي أمام النجم الإسباني إنيستا مع أن هذا الأخير فاز ببطولة دوري أبطال أوروبا وكأس العالم كما سجل هدف الفوز لمنتخبه في نهائي المونديال 2010. وفي 2013 حين خسرها النجم الفرنسي فرنك ريبيري لصالح كريستيانو رونالدو وكذلك في 2019 بين النجم السنغالي ساديو ماني وميسي، وهذه الأمثلة غيض من فيض من انتقادات لاذعة وتهم ملصقة بالجائزة ومعاييرها.

وفي هذا الموسم، لقد لاح نجم اللاعب البرازيلي فينسيس جونيور لاعب ريال مدريد، حيث فاز على بطولة دوري أبطال أوروبا والدوري الإسباني، وحمل ناديه على كتفيه بكل مسؤولية فكان يُراوغ، ويُمرر الكرة، ويُسدد، ويُسجل ويرقص السامبا.
فكان مما اتفق عليه الجميع -حتى خصومه- أنه هو الفائز بالجائزة، فاستعد للذهاب إلى الحفلة مع ناديه وزملائه أمثال كارفخال، وبيلنغام ومبابي، وما هي إلا لحظات حتى تلقى النادي رسالة سرية مفادها «أن اليويفا وفرنس فوتبول يجركم إلى باريس للاستهزاء بكم ولإهانتكم، فنجمكم فيني لا يفوز بالكرة الذهبية»


يشير بعض الصحف إلى أن بيب غوارديولا المدير الفني لمانشستر سيتي هو الواقف وراء هذه الرسالة.
والمهم هو أن النادي الإسباني تلقى هذا الخبر كصاعقة وعزم أن لا يذهب هو ولاعبيه إلى حفلة التتويج.
لكن لماذا قام الويفا بالتواطؤ مع فرنس فوتبول بهذا الأمر.
دعونا نرجع إلى الوراء قليلا، ففي 2021، قامت اثنا عشرة أندية أوروبية في مُقدمتها ريال مدريد بإعلان تأسيس بطولة منافسة لدوري أبطال أوروبا “السوبر ليغ” بدعوى أن اليويفا يشتغلُّ الأندية، الأمر الذي اعتبره اليويفا تهديدا مباشرا لهيمنته على كرة القدم الأوروبية.
ومع أن مشروع “السوبر ليغ” باء بالفشل لأسباب كثيرة لكن لم يمت بعد، فدخل اليويفا مع ريال مدريد منسق البطولة في حرب دامية، للنيل من النادي الميرنغي ولتقليم أظافره.
ففي الأشهر المقبلة ستظهر الحرب علنا، لأن مشروع “السوبر ليغ” سيرجع أمام الكاميرات في نهاية ديسمبر المقبل.
وبعد هذا الرجوع إلى التاريخ، والولوج في تكتيكات كرة القدم وخبايا زواياها، نرجع إلى مراسم الدفن التي أقيمت في العاصمة الفرنسية باريس، نشاهد اللحظات الأخيرة، القاعة مملوءة بذوي بذلات سوداء، نعم سوداء، فالمشاهدون لم ينسوا أنهم يذهبون إلى جنازة لا إلى حفلة، جاؤوا عابسي الوجوه، ودموعهم تسيل من عيونهم، جلسوا ساكتين صامتين لأنه لا الكلمة تجدي ولا اللكمة تحمي، وعندما صعد الرجل إلى المنصة للإعلان بالفائز، صرخوا بكل ما لديهم من قوة “فيني، فيني” يقولون هذه الكلمة الأخيرة ربما ليشهد لهم التاريخ أنهم ليسوا من المتواطئين في هذه الجريمة، كعبد في أوقاته الأخيرة من حياته يشهد إخلاصه وعبادته لربه بتمتمات لا يكد المرء يسمعه.
ومن هنا، مُزقت كرة القدم كل ممَّزق، وقطعت إربا إربا، ودعي في الناس إعلانا لوفاتها، فكان يردد الناعي:
سيداتي، ساداتي، نعلنكم عن وفاة هذه الكرة؛
هذه الكرة التي ولدت بفضل تشارلز غوديير، وتوسوليني، وبالبونسي، وبولو!
هذه الكرة التي كان يسمِّيها البرازيليون مرغريتا أو ماريكوتا!
هذه الكرة التي قبّلها بيليه في ملعب ماراكانا عندما سجل هدفه رقم ألف!
هذه الكرة التي سجل بها ماردونا هدفه المشهور “بيد الرب” ضد إنجلترا في المونديال 1986!
هذه الكرة التي تلاعب بها ميسي كدُمية بين يدي طفلة!
هذه الكرة التي سجل بها باب بوب جوب هدفاً في مرمى فرنسا في مونديال 2002!
هذه الكرة التي كانت تسجد أمام إنيستا احتراماً له!
هذه الكرة التي مات وليام كروبي وميشيل ساير ومارك فيفيان فووي راكضين وراءها!
هذه الكرة التي أقام لها دي ستيفانو نصبا عند مدخل بيته مع لوحة حجرية نُقش عليها: شكرا أيتها العجوز!