مقالة / الرّماة السنغاليون بين البطولة والارتزاق.

يشكّل النقاش العلمي حول تاريخ الشعوب التي عانت تحت وطأة الاستعمار أحد أكثر المواضيع تعقيدا وإثارة للجدل في الدراسات التاريخية. ويعود هذا الجدل في جزء كبير منه إلى فقدان العديد من الرّوايات الحقيقية لماضي هذه الشعوب، بفعل التلاعب الممنهج الذي مارسه المستعمر لتقليص أدوارها التاريخية وتشويه الحقائق بما يتماشى مع مصالحه السياسية. ولقد عمدت القوى الاستعمارية إلى فرض سرديات مغلوطة، وإخفاء الوثائق التي قد تسلط الضوء على زوايا مظلمة من الماضي ، مما أدى إلى فراغ معرفي حول تلك الحقبة.

إن غياب العديد من المصادر الموثوقة والتلاعب المتعمد بالوقائع التاريخية لم يؤدّ فقط إلى طمس حقيقة ما حدث في الماضي، بل جعل من المستحيل بناء صورة دقيقة وعادلة لتاريخ هذه الشعوب، كما أدّى إلى خلق خلافات مستمرة حول تفسير الأحداث التاريخية وتحديد المسؤوليات. وهذا الواقع جعل دراسة تاريخ الشعوب المستعمَرة عملية شاقة تتطلب مجهودا فكريا مضاعفا لاستكشاف ما وراء السطور وتجاوز الأبعاد المغلوطة التي فرضتها القوى الاستعمارية لمآرب سياسية محضة .

تصريحات البروفسور شيخ عمر جانج: جدل جديد حول تاريخ الرماة السنغاليين

في هذا السياق التاريخي الملتبس، أثارت تصريحات المفكر السنغالي شيخ عمر جانج، الذي وصف الرماة السنغاليين بالخونة، موجة من الجدل الواسع في الأوساط الفكرية والاجتماعية في السنغال. ورغم أن هذه التصريحات تعكس وجهة نظر شخصية، إلا أنها فتحت الباب أمام نقاش علمي عميق وجادّ، حول دور هؤلاء الجنود في التاريخ الاستعماري، المليء بالآلام والأشجان .

وانطلاقا من هذه التصريحات يمكن طرح تساؤلات جوهرية هي : هل يمكن تصنيف الرماة السنغاليين كخونة بصورة مطلقة؟ وهل الظروف القسرية التي تم تجنيد بعضهم، في ظلها، تبرر مثل هذا الحكم العام عليهم؟ وما الفرق الجوهري بين الرماة السنغاليين، الذين جُنّدوا تحت وطأة الاستعمار، وبين السباهيين (Les Spahis)، الذين خاضوا المعارك بدافع الأجر والمصلحة الشخصية؟

من هم الرماة السنغاليون؟

الرماة السنغاليون (Tirailleurs Sénégalais) كانوا وحدة عسكرية استعمارية أنشأتها فرنسا من الشباب الأفارقة، خاصة من مستعمراتها في غرب إفريقيا، منذ منتصف القرن التاسع عشر. ورغم تسميتهم بالرماة السنغاليين، إلا أن هذه الوحدة العسكرية، لم تقتصر على أبناء السنغال، بل شملت مجندين من مناطق أخرى، مثل مالي، بوركينا فاسو، وكوت ديفوار. وقد تم تأسيس هذه الوحدة عام (1857) على يد الحاكم الفرنسي (Louis Faidherbe) الذي تولى حكم السنغال بين عامي (1854) (1865) وكان الهدف من إنشائها دعم الجيش الفرنسي بقوة عسكرية صلبة قادرة على المشاركة في العمليات العسكرية الكبرى، مثل الحملة الفرنسية على الجزائر، والحروب الاستعمارية الأخرى. في وقت لاحق، لعب الرماة دورا بارزا في الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث اعتمدت فرنسا عليهم لتعويض نقص جنودها في جبهات القال

دور الرماة السنغاليين: خدمة عسكري أم استغلال سياسي

كان دور الرماة السنغاليين في الجيش الفرنسي محوريا، حيث شاركوا في العديد من الحروب التي خاضتها فرنسا، سواء ضد خصومها الأوروبيين أو لتوسيع هيمنتها الاستعمارية. وقد تميز هؤلاء الجنود بشجاعتهم في المعارك وانضباطهم في تنفيذ المهام القتالية والإدارية. لكن رغم هذا الدور العسكري البارز، فإن تجنيد الرماة السنغاليين كان غالبا ( ولا أقول مطلقا ) يتم بوسائل قسرية أو تحت ضغط الحاجة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يجعل من وصفهم ب (الخونة) حكما غير عادل. فلقد كانوا في معظم الحالات ضحايا لنظام استعماري، فرض عليهم القتال لصالح قوة استعمارية متوحشة، أضعفت أوطانهم وسلبتهم إرادتهم. وكثيرا ما تناقلت الروايات الشعبية تفاصيل الظروف القهرية والأساليب القسرية التي استُخدمت لاستدراج أو إجبار شباب المنطقة على الانخراط في صفوف الجيش الفرنسي، وهذه القصص، التي وُلدت من رحم المعاناة، تُظهر كيف تم تحويل حياة الشباب إلى أدوات تخدم مصالح القوى الاستعمارية الجائرة، لتصبح أصواتهم أسيرة منظومة استغلالية لا تترك لهم خيارا سوى الانصياع أو المواجهة مع مستقبل غامض.

من هنا، يمكن لأي شخص أن يتساءل عن سبب التجنيد الإجباري في السنغال، ولماذا لم يرفضه الرماة السنغاليون ويقاومون الاحتلال الفرنسي كما فعل أسلافهم. ففي عام 1898، كانت فرنسا قد بسطت نفوذها على كامل الأراضي السنغالية، مما أدى إلى تلاشي حركات المقاومة. لذا، يطرح السؤال: هل كان قبول التجنيد الإجباري دليلا على الضعف أو تراجعا عن مقاومة الاستعمار؟ كما يثير التساؤل عن سبب انخراط الجنود في الحروب الخارجية بدلا من مواجهة الاحتلال الفرنسي مباشرة. هذه الأسئلة تفتح بابا لفهم أعمق للظروف السياسية والاجتماعية التي فرضها الاستعمار على السنغال.

الفرق بين الرماة السنغاليين والسباهيين Les Spahis.

من المهم في هذا السياق، التفريق والتمييز بين الرماة السنغاليين والسباهيين (Les Spahis) وهي وحدة عسكرية أخرى شكلتها فرنسا منذ(1831) واستخدمتهم كقوة شرطة عسكرية لإخماد التمردات وحفظ النظام في المناطق المستعمرة، كما شاركوا في العمليات العسكرية التي هدفت إلى توسيع السيطرة الفرنسية في أفريقيا، وهذه الوحدة العسكرية التي كانت محلّية بإشراف فرنسية، هي التي كانت تحارب ضدّ لاتجور وماباجاخو باه والشيخ عمر الفوتي ، ومحمد لمين درامي وألبوري انجاي .وهؤلاء المرتزقة الذين كانوا يقاتلون بالأجور، يمكن اعتبارهم خونة لأنهم عملوا لصالح المستعمر الفرنسي ضد شعوبهم ومجتمعاتهم المحلية، وشاركوا في قمع الثورات التحررية. وانخراطهم في الجيش الفرنسي طواعية، يُظهر ولاء للمستعمر أكثر من ولائهم لوطنهم الأم.

وهناك حقيقة تاريخية مٌرّة يجب أن نقبلها وهي، أن السباهيين والرماة السنغاليين كانا جزءا من الآلة العسكرية الفرنسية في الحربين العالميتين. وفي قمع المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، ولا زالت للجزائر عقدة تاريخية مع مصطلح ( الرماة السنغاليون) إلى وقتنا هذا. وقد شكّلت مساهمتهم قوة إضافية للجيش الفرنسي، لكن ظروف تجنيد الرماة وأدوارهم تُظهر استغلال المستعمر للقوى البشرية من مستعمراته لتحقيق أهدافه العسكرية. وهناك روايات تذهب إلى أن هؤلاء السباهيبن هم الذين قاموا بمجزرة Thiaroye 44 على بني جلدهم، بضوء أخضر فرنسي..

أهمية النقد العلمي في مواجهة الأطروحات الفكرية:

النقد العلمي الحقيقي يتطلب الابتعاد عن الخطاب العاطفي والشخصنة عند مناقشة الأطروحات الفكرية، كما هو الحال مع أفكار شيخ عمر جانج، التي غالبا ما تُواجه بردود تفتقر إلى الأسس المنهجية. يجب التركيز على تحليل الأفكار في سياقها التاريخي وتقييمها بناءا على الوقائع الموثقة، بما يثري النقاش العلمي ويفتح المجال لفهم أعمق. فإطلاق الأحكام العامة حول مكانة الأشخاص دون أدلة موضوعية يعد انفعالا وخلجات نفسية محضة .
تتيح معظم الأطروحات التي يناقشها شيخ عمر جانج للقارئ استكشاف مساحات واسعة من الفكر والتفكير النقدي، مما يسهم بشكل كبير في إثراء المجتمع العلمي وتوسيع آفاقه المعرفية

رسالة إلى شيخ عمر جانج

أعلم أنك تسعى دائما لإبراز الحقيقة وكشف ما يعتقده الكثيرون أنه ظلم أو إغفال في تاريخنا العريق. لكن، في ظل مسؤولياتك الوظيفية والمكانة التي تمثلها في الدولة، يجب أن تعلم أن تصريحاتك، رغم صحتها في كثير من الأحيان، قد تساهم في إضعاف الوحدة الوطنية وخلق أجواء من الجدل المستمر. وهذا لا يخدم الرئيس ( بشيرز جوماي فاي ) الذي اختارك لتكون واحدا من الذين يرسمون مستقبل هذا الوطن.
ولتعلم أن دورك يتطلب الحكمة في اختيار الوقت والمكان المناسبين لإيصال رسالتك. فالنقد البناء وتقديم الأفكار يمكن أن يكون له تأثير أكبر عندما يتم في سياق مدروس وفي إطار من المسؤولية. فلا شك أن الحقيقة يجب أن تكون حاضرة، ولكن يجب أن تكون متوازنة مع الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والمصداقية المؤسساتية.
فكر دائما في تأثير كلماتك على المستقبل، وكيف يمكن للطرح النقدي أن يكون وسيلة لبناء الوطن، لا لهدمه.

جبرئيل السّماوي